أنت هنا: الرئيسية / اراء واقلام / علي ورجب.. بحث في دلالات ولادة الإمام علي عليه السلام في شهر رجب…رشيد السراي
456 views
علي ورجب.. بحث في دلالات ولادة الإمام علي عليه السلام في شهر رجب…رشيد السراي

علي ورجب.. بحث في دلالات ولادة الإمام علي عليه السلام في شهر رجب…رشيد السراي

على الأشهر فإن ولادة الإمام علي عليه السلام كانت في شهر رجب الأصب وتحديداً في الثالث عشر منه، ولا شك عندنا كمسلمين إن لكل أمر علة وحكمة ولا تجري الأمور في هذه الحياة كيفما أتفق، وحكمة أمر ما قد تكون واضحة وقد تتطلب بحثاً لا يتعدى مرحلة التخمينات والاحتمالات وذلك حينما لا يرد نص يشير لتلك الحكمة بوضوح أو يلمح لها أو وجود نصوص تساعد بمجملها على اكتشاف تلك الحكمة. ولعل البعض يرى هذا الأمر عبثياً وجهداً ضائعاً ولكننا نرى إن الكثير من الجوانب التي يرى البعض إنها عبثية تُشكل بمجملها مجموعة عناصر لتوضيح الرؤية خاصة إذا ما تعلقت المسألة بشخص نحن مأمورون باتباعه والاقتداء بسيرته وتتعلق به قلوب المؤمنين اذ هو قدوة وأسوة ومنهج حق فكيف لا يكون كل تفصيل مهما صغر في أعين البعض كل تفصيل في حياة علي النموذجية مهم بل ومهم جداً ؟!

كما قلنا إن ولادة علي عليه السلام كانت في شهر رجب على اختلافٍ في تحديد سنة ولادته الشريفة وعلى الأرجح إنه بعد ثلاثين سنة من عام الفيل، وكقاعدة عامة ننطلق منها في بحثنا نقول إن هناك خصوصيات في أمير المؤمنين عليه السلام وخصوصيات في شهر رجب كانت سبب هذا اللقاء المبارك على الأرجح وسنحاول في كلامنا اقتناص بعض هذه الخصوصيات بطريقة التخمين والاحتمال وفقاً لما بين أيدينا من نصوص ووفقاً لما ينسجم مع ثقافتنا الاسلامية وتصوراتنا عن طرفي القضية فنقول:

1-ورد في شهر رجب إنه شهر أمير المؤمنين عليه السلام، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما ذكره المفيد في كتابه مسار الشيعة ” رجب شهري وشعبان شهر رسول الله ، وشهر رمضان شهر الله عز وجل “، وهذا الأمر يمكن فهمه باحتمالين:

أ-إن ولادة أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الشهر هي سبب اطلاق هذه النسبة على اعتبار إن الاطلاق جاء على لسان الإمام علي عليه السلام نفسه فهو لاحق للولادة لا سابق لها، ويرد عليه إن تكملة النص تقول إن شهر شعبان هو شهر رسول الله صلى الله عليه وآله، وولادة الرسول عليه الصلاة والسلام لم تكن في شهر شعبان، فيستبعد إن تكون الولادة علة الاطلاق وتتضح الإجابة أكثر من متابعة باقي النص من إن شهر رمضان هو شهر الله جل وعلا الذي لم يلد ولم يولد.
ب-إن نسبة الشهر للإمام علي عليه السلام لا علاقة له بالولادة والولادة نتيجة لذلك لا سبب.

2-التراتبية بين شهر رجب وشهر شعبان وشهر رمضان من جهة وأمير المؤمنين عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والباري جل شأنه من جهة أخرى، إذ بالجمع بين هذا النص ونصوص أخرى نتحصل على جملة من النتائج منها:

أ-وحدة الهدف.
ب-الوصول الصحيح والتام يكون عبر مراعاة هذه التراتبية، فمن قفز إلى شهر الله أو إلى شهر رسوله دون المرور بما قبله ستكون خطواته ناقصة ولن يصل للكمال المطلوب.
ج-إن الايمان بالإمامة شرط أساسي للكمال فلا اله إلا الله حصني لكن بشرطها وشروطها.
د-إن أمير المؤمنين عليه السلام بوابة علم وفضائل ومكانة رسول الله صلى الله عليه وآله.
هـ-من آمن بالله إيماناً تاماً لا يمكن له عدم الإيمان بالنبوة ومن آمن بكلاهما إيماناً تاماً لا يمكن له عدم الإيمان بالإمامة، ولست هنا أكفر غير الإمامية لذا قيدت الإيمان بعبارة التام حتى لا يُساء فهم الكلام.
و-كما إن الحصول على فضل شهر رجب وشهر شعبان وشهر رمضان لا يكون إلا عبر ممارسة الإعمال العامة والخاصة ومراقبة النفس ومحاسبتها ولا يكفي مجرد المعرفة والتمني كذلك بالنسبة للإمامة والنبوة.

3-وردت أعمال خاصة كثيرة تتعلق بشهر رجب ولكن أكثر الأمور التي تم التركيز عليها في شهر رجب هي كونه شهر الاستغفار، وحسب فهمي إنه لارتباط شهر رجب بأمير المؤمنين عليه السلام وبالتالي بالإمامة دور كبير في جعل هذا الشهر محوراً للاستغفار حيث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال ” رجب شهر الاستغفار لامتي أكثروا فيه من الاستغفار فإنه غفور رحيم ، وشعبان شهري ، استكثروا في رجب من قول : ” استغفر الله ” وسلوا الله الإقالة والتوبة فيما مضى ، والعصمة فيما بقي من آجالكم ، وأكثروا في شعبان من الصلوات على نبيكم ” ويتضح الكلام أكثر إذا نظرنا إلى اقتران طلب الاكثار من الاستغفار في شهر رجب مع طلب الاكثار من الصلاة على النبي في شهر شعبان.

4-ورد في اسماء شهر رجب إنه يسمى الأصب، وإنه يُسمى الأصم أيضاً ، وورد في تفسير الأول عن لسان رسول الله صلى الله عليه وآله “وسمي شهر رجب الأصب ، لأن الرحمة تصب على أمتي فيه صباً”، وبمقارنته مع أمير المؤمنين عليه السلام بصورة خاصة ومع الإمامة بصورة عامة يتضح وجه الشبه. وورد في تفسير الاسم الثاني عن لسان رسول الله صلى الله عليه وآله أيضاً “الأصم لأنه نهي فيه عن قتال المشركين ، وهو من الشهور الحرم”، ولعل وجه الشبه إن هناك نهي عن التنازع في أمر أمير المؤمنين عليه السلام والإمامة عموماً أو إشارة لحدوث التنازع الكبير رغم النهي.

5-خصوصية المكان والزمان معا في ولادة علي عليه السلام:
مما لا اختلاف فيه إن ولادة أمير المؤمنين عليه السلام كانت فيها خصوصية مهمة تفرد بها دور سائر البشر ألا وهي ولادته في جوف الكعبة المباركة، وقد اتفق علماء المسلمين على ذلك رغم الاختلافات اليسيرة في كيفية حدوث ذلك ولا يشذ عن ذلك إلا معاند. من هذا يتضح إنه كما يبدو اقتضت الإرادة الالهية أن يكون حدث الولادة مميز مكاناً لبيان شرفية المولود والتنبيه على مكانته ودوره، ويمكن الحديث عن ذلك بعدة نقاط:

أ-خصوصية المكان وبملاحظة الهدف تستدعي في الغالب خصوصية الزمان.
ب-خصوصية المكان والهدف منه يستدعي خصوصية الزمان لتحقيق هدف التنبيه والاشهار فولادة مولود في جوف الكعبة في شهر لا يزور بيت الله فيه الا القلة يختلف كلياً عن تحقق الولادة في شهر رجب الذي يُعد الموسم الثاني بعد الحج حيث كان يقوم بمكة في الجاهلية موسمان في كل سنة . موسم العمرة في رجب ، وموسم الحج في ذي الحجة، مع ملاحظة صعوبة ذلك في موسم الحج لما تضمنه الحدث من اقفالٍ لباب الكعبة.
ج-العمرة مستحبة في كل وقت إلا أن للعمرة الرجبية خصوصية في الجاهلية والاسلام حيث في الجاهلية كانت الموسم الثاني لأهل مكة بعد موسم الحج وقد ورد في بعض المصادر ” وكانوا لا يأمنون إلا في موسم العمرة في رجب وموسم الحج في ذي الحجة فيشترون ويبيعون فيهما “، أما في الاسلام فقد ورد في فضل العمرة الرجبية الكثير وقد عُد شهر رجب أفضل وقت للاعتمار فروي إن “أفضل العمرة عمرة رجب”.

د-تتضح خصوصية الزمان أكثر إذا ما عرفنا إن الولادة تمت في الثالث عشر من شهر رجب وإنها كانت في يوم جمعة، وهو سيد الأيام، وإن الحدث استمر عدة أيام وفي الأيام البيض بالذات وإن شهر رجب من الأشهر الحرم وهو الشهر الحرام المنفرد.
هـ-عنصر خصوصية الزمان مهم جداً في حفظ حدث الولادة الخاص إذ لولا وجود عدد معتد به من الناس لأن الموسم موسم عمرة وبيع وشراء لما تم حفظ الحدث هكذا وتناقله.

و-ورد في الاخبار التي تتعلق بموسم الحج والعمرة الرجبية في الجاهلية إن العرب كانوا لا يأمنون الا في الموسمين ولا يبايعون الا فيهما وفي هذا نكتة لطيفة.

6-خصوصية مناسبات رجب وارتباطها بأمير المؤمنين عليه السلام

المتتبع لأشهر احداث شهر رجب يجد إنها ترتبط بأمير المؤمنين أكثر من غيرها من الشهور، ففي شهر رجب، ولد أمير المؤمنين عليه السلام وفيه توفي أبوه أبوطالب رضوان الله عليه وعمه العباس وأبنته زينب سلام الله عليها وزوجته الزهراء عليها السلام على رواية وابراهيم آخر أولاد رسول الله ، وفيه فتح باب خيبر على يده المباركة، وفيه قدوم جعفر الطيار أخوه من الحبشة إلى المدينة، وفيه على رواية زواجه سلام الله عليه من سيد نساء العالمين، وفيه المبعث النبوي الشريف، وفيه تحويل القبلة من بيت المقدس الى الكعبة، وفيه أخيراً هلاك معاوية بن أبي سفيان أكثر الناس خصومة مع أمير المؤمنين عليه السلام.
فورود كل هذه الاحداث القريبة الصلة بأمير المؤمنين عليه السلام بنسب وحالات مختلفة في شهر رجب حسب تصورنا ليس وليد صدفة.

7-فضل شهر رجب والاعمال الخاصة به

من مراجعة الروايات التي تحدثت عن فضل شهر رجب والأعمال العامة المطلوبة فيه والخاصة ببعض الأيام لا سيما الزيارة الرجبية، واعمال الليلة الثالثة عشرة، ودعاء أم داود الذي تسبقه أعمال تتعلق بالليالي البيض نجد إن ولادة أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الشهر لم يكن وليد صدفة.

حاولنا في هذا البحث المتواضع قراءة مناسبة دينية برؤية الهدفية والقصد ولا ندعي إننا قد حددنا الغاية والحكمة والقصد ولكننا حاولنا جهدنا تقديم رؤية جديدة من خلال هذا البحث إلا وهي البحث عن الغايات والمقاصد في الكثير من الأمور لأن معرفة الغاية ولو تخميناً يقود لنتائج إيجابية كثيرة حسب ما نتصور، ونحن من دعاة فقه المقاصد ولكن ضمن شروط خاصة ولعل تسنح الفرصة للحديث عنه بشيء من التفصيل.
وإن لم نخج بفائدة من هذا كما قد يتصور البعض فعلى الأقل جرنا هذا البحث للحديث عن مناسبات وروايات وأحداث مهمة وبعضها مهمل وفي هذا الكفاية.
والله تعالى أسأل أن يجعلنا في زمرة الرجبيين إنه على ما يشاء قدير.

 

 

Comments

عن admin

avatar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>